لا يفوز الأشرار إلاّ حيث يكون الأخيار لا مبالين - خوسيه مارتي

 

لجنة التضامن اللبنانية
 لتحــريــر المعتقلــين
 الـكوبيين الخمـسة

Español

English

Français

البداية

الخمسة

 

 

 

  

   

 

نبذة عن خوسيه مارتي بطل كوبا الوطني

 

 المناضل الكوبي الراحل "مارتي": العرب.. هم الأكثر نبلاً *

27/08/2001

أحمد زين- مصر

المناضل الكوبي خوسيه مارتي

كثيرة هي المآسي التي عاناها الشعب الكوبي: البؤس، والفاقة، والجوع، والتي نتجت عن الجهل والملاحقات والتعذيب والاعتقال، وقد امتدَّ الذل إلى تطبيق نظام الرق على الكوبيين السود.. وفي خضم هذه المظالم كلها، وبعد 30 عامًا من الممارسات الوحشية من جانب المستعمر، وُلِد "خوسيه مارتي" وحيدا بين سبع شقيقات.. والده "ماريانو مارتي نافارو" رقيب أول في المدفعية الملكية، ووالدته "ليونور كابريرا" من إحدى جزر الكناري.

كان خوسيه بالنسبة للجميع بمثابة الصديق دائمًا، وقد التحق بالثانوية بعد نجاح فائق، ولكن لم يُغْرِه نجاحه بالركون إلى جانب المستعمر، أو الطمع في مناصب أو مظاهر زائفة يلقيها المحتل لأعوانه من أهل البلد الذي تمثل فيه الشهادة الثانوية بالنسبة لمواطنيه قيمة كبرى آنذاك، لكن خوسيه لا يرضيه- وقد كان بوسعه- أن يكون شيئًا ضخمًا في وطن مصفد ذليل.

"الحب بالحب يكافأ"

شارك في أول نواة لحركة تحريرية في كوبا، وكان ذلك عام 1868م، ولم يكن قد تجاوز الخامسة عشرة بعد.. ودخل الحركة من باب الصحافة والأدب، فقد أصدر في هذه السن المبكرة جريدة سمَّاها "الشيطان الأعرج"، ولم يُكْتب للعدد الثاني منها أن يظهر للنور، فأصدر نشرة "الوطن الحر"، ولم يلبث أن أدين مع صديق له بتهمة إهانة "المتطوعة"، وهذا المصطلح كان يطلق على الكوبيين المتعاملين مع الاستعمار.. وكان خوسيه قد أرسل رسالة لأحد أصدقائه "جاني فالديس" يشكو له فيها من هؤلاء الخونة والعملاء.

وفي ساحة المحكمة أبَى إلا أن يتحمل المسؤولية كاملة، وتم إخلاء ساحة صديقه تمامًا، وبدلاً من أن ينفي التهمة عن نفسه، أو يعمد إلى المداراة، وجَّه سبابته نحو القضاة العسكريين، يتهمهم بإهدار قيمة العدالة والحرية، غير عابئ بنظرات الحنق والغضب؛ لذا حكموا عليه بست سنوات مع الأشغال الشاقة، وفي أثناء قضائها صدر قرار بنفيه إلى إسبانيا حتى عام 1874م، ومن هنا أفاد خوسيه من أسفاره المتعددة، فاكتسب خبرات السفر، كما أنه امتلأ حماسًا من أجل نهضة بلاده وحريتها..

قضى سنواته في مدن أسبانيا، لكنه أفاد من خبرات الترحال مقاتلاً كما أراد دومًا، فلم يهدأ في هذه الفترة؛ حيث أنهى المرحلة الثانوية، وتخرج في كلية الحقوق في شهادة القانون المدني والكنسي، ثم في ذات العام حاز شهادة الفلسفة والآداب، ثم غادر إلى فرنسا فالمكسيك، عارضًا مسرحيته التي استحال عنوانها قولاً مأثورًا في العالم كله "الحب بالحب يُكافَأ"، ثم غادر إلى "جواتيمالا"، وهناك وجد بعضًا من الراحة حين عمل مدرسًا في دار المعلمين، ولكن روح الثورة داخله لم تهدأ، فحين أقيل أحد المدرسين بأمر من رئيس جواتيمالا "هومستوباريوس" استقال معه مارتي تضامنًا؛ رافضًا كل أشكال القهر السياسي..

الحرب السخية بالدماء.. بلا كراهية!!

في اللحظة التي صدر فيها القرار من الحكومة الإسبانية بالعفو عن كل من اشترك في الحركة التحررية، وصل خوسيه إلى هافانا بصحبة زوجته الوفية وولده الوحيد الذي ولد عام 1878. ومنذ أن وطئت قدماه أرض الوطن وزع اهتماماته إلى محاور ثلاثة: الإنتاج الأدبي، وإلقاء المحاضرات في المعاهد العليا، والاتصال بالوطنين والثوار. وبالتالي ما لبث أن نفي من جديد عام 1879 بسبب ما أشاعه في خطبه الحماسية ومقالاته الثورية من أفكار تحررية.

ظل خوسيه يدفع ثمن مواقفه من صحته ومن ضيق يده دومًا؛ فقد اضطر للعمل في مهن كثيرة أقل مما يناسبه ليتحمل مسؤولية أسرته التي دفعت معه ثمن نضاله، ولكن النفوس القوية هي التي تجعل من الألم والعذاب قناديل مضيئة.. وفي هذا العمر اليافع المندفع عرف خوسيه طريقة، وحدد هدفه في دعوته للشعب الكوبي، رافضا أي كراهية أو غل مما يلوث النفوس ويجعل القلوب مخازن للحقد..

ولقد عرف نضاله ودوره بأنه: "التبشير بالحرب السخية المنزهة عن كل عمل عنيف خالية من كراهية الإسبان"!

القلم والحبر.. بندقية ورصاصة

خوسيه مارتي وأحد رفقاء النضال

غادر مارتي إسبانيا إلى الولايات المتحدة مدة أحد عشر عاما تنتهي في عام 1892، وقد قضاها متفرغًا لمشروعه الثوري، منظمًا له بعيدًا عن وطنه، وأكمل مسيرته الأدبية؛ حيث أسس مجلة شهرية سماها "السن الذهبية" عام 1889، وجهت للأطفال الذين كان يطلق عليهم دومًا "أمل العالم". والطريف أن هذه المجلة قدمت للأطفال موادَّ ترفيهية مسلية ضاحكة، وهو ما يؤكد أن خوسيه المقاتل والسياسي والمحارب لم يفقد في حربه تلك حُبَّه للحياة، وأمله في الغد وإحساسه بالبراءة والطهر.

واهتمامه الكبير بالأدب أمر يدعو للدهشة في ظل ظروفه المضطربة؛ حيث كان يراسل صحفًا عديدة.. وفي ذات الوقت اتخذ مكانته اللائقة؛ حيث عدّه النقاد من مؤسسي الأدب اللاتيني الحديث مع ثلاثة آخرين، هم: روبيرون داريو، وهوليان دلكاسال، وجوتيريزناصيرا..

لم تكن كوبا فقط تملك عليه حبه، ولكن كان مارتي يعشق أمريكا الجنوبية وشعوبها، وكان يسمي قارته "أمي أمريكا"، وكان يردد دائمًا قوله: "إن شغفي بالعدالة ومقتي للرذيلة مهما كانت بسيطة هما رسالتي في الحياة".

وقد جاء أدبه متعانقًا مع فكره وحبه الأول "أمريكا الجنوبية"، فهو حين يقول: "لم يعد ممكنًا أن نظل شعبًا شبيهًا بأوراق حياتها في الهواء، فيما الأفنان مكللة بالزهور، أوراق تتطاير أو تتهادى كما تريد لها الريح، وتتهشم أو تبلل كما تشاء لها العواصف، لا بد للأشجار من الاصطفاف لتحول دون مرور المارد.. لقد آن أوان الجد"- كان لا بد لهذه الرؤى والأفكار أن تتبلور.

وبالفعل تم ذلك في 1892 حين أسس الحزب الثوري الكوبي، الذي جعل فلسفته أن التحرير سيأتي حين نتنازل جميعًا عن مصالحنا الشخصية؛ حتى إنه رفض أن يسمى رئيسًا أو زعيما للحزب، واختار تسمية مندوب، وأصدر جريدة "باتريا" (الوطن)؛ لتكون لسان حال الحزب، وبدأ في جمع التبرعات لشراء السلاح.

وفي أول إبريل 1895 أرسل "مارتي" إلى تلميذه المخلص "كيسادا" خطابا رقيقا حول الثورة القادمة يقول فيه: "وفيما يختص بكوبا؛ ما الذي يمكن أن أكتبه عنها؟ أراني لا أجد صفحة واحدة جديرة بها، إنما العمل الذي سنقوم به هو ما تستحقه"..

حين شعر بعودته للوطن، وتنسم أنفاس أهله وذويه، ولسعته حرارة شمسها، أحس بالروح تسري في جسده، وحين استنهضه الحنين صاح قائلا: "لَمْ أحس بأني رجل إلى أن جاء هذا اليوم! لقد عشت حياتي خجلاً من نفسي، أجر الأغلال التي تكبل وطني، استعدادي للتضحية خفّف عني عبء الجسد، أحس بروحي وقد غدت نقية غير مثقلة، وأشعر بشيء أشبه ما يكون براحة الطفل؛ فهل للسماء شرفات، ومن إحداها يُطل أولئك الأشخاص القريبون من قلبي؟"..

بهذه الكلمات الرقيقة الهادئة استقبل خوسيه ما كان ينتظره، وكأنه يريد أن يبعد الشكوك عن نفسه، تلك التي تحيط المناضلين إذا وصلوا إلى سدة الحكم، فها هو مارتي يقف مع المحاربين في سن الثانية والأربعين، لا يقف في صفوف خلفية، ولا يكتفي بدوره السياسي ولا رئاسته للحزب، ولا حتى بكونه أديبًا وفنانًا عظيمًا، بل يقف ممسكًا السلاح، وهو لم يعرف في حياته سوى القلم والألم إلى جانب الأمل الذي تمسك به دومًا… ومات خوسيه في أول معركة له ضد المستعمر بعد رحلة قصيرة لم تتعدَّ الثانية والأربعين.

ورغم أنه لم يَثْبُت أنه زار أي دولة عربية، فقد كان محبًا للعرب. ظهر ذلك في أعماله الغزيرة، التي بلغ مجموعها 28 مجلدا، وهي تحوي كثيرًا من الإعجاب والإشادة بالعرب. يقول مارتي عن العرب: "إنهم كائنات رشيقة جذابة، تكوّن شعبًا هو الأكثر نبلا وأناقة على وجه البسيطة..".

والمدهش في اهتمامه بالعرب أنه قبل أن يكمل السادسة عشرة من عمره كان قد ألَّف مسرحيته الشعرية الأولى التي سماها "عبد الله"، وهو بطل مصري من النوبة، وجميع أبطاله من العرب الذين يشتركون مع الشعب الكوبي في نضاله ضد المستعمر الإسباني، بل إن مارتي يؤلف ديوانًا شعريًا بعنوان "إسماعيل الصغير"، الذي هو أبو العرب ابن إبراهيم (عليه السلام)، ويخص العرب بإشارات كثيرة فيه.

أعجب مارتي بالحضارة الإسلامية ورقي تعاملاتها الإنسانية، بعد اطلاعه على روائع الحضارة الإسلامية في إسبانيا خلال رحلات نفيه.. وهو حين تبهره عمارة المصريين وطريقتهم في بناء بيوتهم، يصفها بأنها تماثل شعبها رشاقة وأناقة، ويعبر عن شغفه بتربية الخيول العربية ومدى إحساس العربي بفرسه وحميمية العلاقة بينهما بمقولة شاعرية فاتنة؛ إذ قال: "إن العربي البسيط حين يتحسس جواده بيديه كأنه يتحسس أعماق نفسه".

وهو يقف مشدوها أمام مشاعر هذا القائد العربي- يقصد عمرو بن العاص- الذي أبَى أن يهدم خيمته بعد انتهاء إحدى المعارك؛ لأن حمامتين نسجتا عشهما في سقف الخيمة، بل أمر ببناء "الفسطاط" عاصمة مصر الإسلامية تيمنًا بالحمامتين والخير الذي وراءهما. وكم أشاد بمصر فاتنته الأولى، وكيف نهل اليونان من علومها وفنونها.

وخوسيه نافذ بآرائه إلى أعماق خصوصيات العربي البسيط فيحتفل به في أمرين: صلواته اليومية التي يتضرع فيها إلى الله أن يهديه الطريق المستقيم، وحكمته العالية ونظرته الثاقبة للأمور، وهذا يتضح في قوله: "القافلة تسير فدع الكلاب تنبح".

وبخوف وحب على هذا العربي وببصيرة نافذة لمارتي حذر هذا العربي البسيط من خوض غمار الحياة معتمدًا فقط على رصيده من الابتهالات والدعوات والصلوات؛ فيقول: "إن من يقتصر على الابتهال إلى الله من أجل مواجهة كل طارئ إنما يدين نفسه بعدم القدرة على الاستيعاب"…

وحمل مارتي بشدة وبوعي مدهش على فكرة عبقرية الرجل الأبيض، التي يروّج لها الأوربيون؛ فيقول: "ذلك هو منطقهم: أن يعلي قيمة بلطجي أيرلندي أو مرتزق هندي ممن خدم الدول الأوروبية على حساب عربي من المتبصرين في الأمور، المترفعين عن الدنايا، والذين لا تثبط عزمهم هزيمة، ولا يعرفون التخاذل حيال الفارق العددي بينهم وبين أعدائهم، بل يدافعون عن أرضهم ورجاؤهم على الله".

ومن يطالع كتابات مارتي سيفاجأ بكَمّ هائل من الشخصيات العربية التي تحدث عنها مارتي، مثل: الأمير عبد القادر الجزائري، وأحمد عرابي، ومحمد علي، ومحمد الصدوق، والسلطان الحسن سلطان المغرب، والخديوي توفيق.

اعتقد مارتي بيقين بالغ أن عامي 1881 و1882 سيقع فيهما انفجار لثورة مسلحة تحت قيادة رابطة إسلامية واعدة؛ حيث يقول: "من القسطنطينية انطلقت الموجة المحمدية، مجتاحة المضيق؛ لتنتشر في طرابلس، ولتؤجج الثورة في تونس"، وقد أخذ مؤشر الثورة أساسًا من الثورة العرابية في مصر التي يصفها قائلا: إنها عميقة الجذور، تلكم الثورة المندلعة في بلاد الروائع، موطن أبي الهول والأهرامات؛ حيث السماء وهاجة، والرمال متقدة..".

وهو في تقييمه السياسي للأوضاع في مصر لم يتخلَّ عن أدائه الأدبي الفريد؛ فهو يصف حال مصر مع المستعمر الإنجليزي بقوله: "غُرس المهماز البريطاني في خاصرة الحصان المصري، ولم يعد بد من المواجهة بين القرآن ودفتر الحسابات… إن ابن الصحراء الكريم يعض على السياط ويكسر يد الأناني ابن القارة العجوز…".

يظل السر في حياة مارتي هو: كيف تأثر بهذه المنطقة من العالم؟ وكيف توغل في أركان الحضارة الإسلامية دون زيارة هذه الأماكن؟ خاصة إذا أخذنا في الاعتبار صوره التي لا تخلو من دلالات أكيدة على أنه رأى هذه الأماكن بعينيه؛ فهو مثلا يشبه أيام الانتخابات في نيويورك بمصر ساعات الغروب، وحين يصف أماكن معينة فيها يفعل ذلك بدقة يحسده عليها الأدباء المصريون أنفسهم، وربما تكون إقامته في إسبانيا التي ظلت جزءا من الدولة الإسلامية لقرون عاملا مهمًّا..

وهناك أيضا اطلاعه الثري على مؤلفات وأعمال فنية أتاحت له كمًّا معقولا من مشاهدة البلاد العربية بأيدي الرسامين والمصورين الذين انبهروا بالطبيعة العربية ووهبوا جزءا كبيرا من فنهم لتصوير العرب، أمثال: ماريا نوفورتوني، وباسيل فيريشاغين، وبينجامين كونستانت، وأوجين فرومانتان، الذي سُمِّي "ابن النيل" لاقتصار لوحاته كلها على رسم النهر العظيم. ولم يكتفِ مارتي بمطالعة أعمال هؤلاء الفنانين، إنما تعرض لها بالنقد والتحليل في الصحف والمجلات والدوريات التي ظل يراسلها طويلا.

ويظل هذان العاملان: اطلاعه على الفنون، وإقامته بالأندلس- من العوامل المساعدة، ولكن يكاد المرء يجزم بأنه قد أتى لبلادنا، وتعامل مع شعوبنا الطيبة، خاصة إذا التفتنا إلى كثرة أسفاره وارتحاله..

المصادر:

- اعتمد المقال أساسًا على كتاب "الشعوب العربية في خدمة خوسيه مارتي"، تأليف: "خوسيه كانتون"، وكذا مقال ملخص لسيرة "خوسيه مارتي" بقلم: "إيملي رويج". والعملان من ترجمة: "توفيق حمد".

مقتبس عن موقع اسلام اون لاين

 

 

عودة الى أعلى أغلق الصفحة إبدي رأيك عودة أرسل الى صديق إطبع الصفحة
 

لجنة التضامن اللبنانية لتحرير المعتقلين الكوبيين الخمسة
 
lebanese4cuban5@gmail.com
webmaster@lebanese4cuban5.com