لا يفوز الأشرار إلاّ حيث يكون الأخيار لا مبالين - خوسيه مارتي

 

لجنة التضامن اللبنانية
 لتحــريــر المعتقلــين
 الـكوبيين الخمـسة

Español

English

Français

البداية

الخمسة

 

 

 

  

   

 

الثقافة العربية في أعمال الأديب الكوبي خوسيه مارتي

18-03-2010

 

ثمة من يؤكد أن الشاعر والكاتب والمناضل الكوبي الراحل خوسيه مارتي (28 يناير 1853- 19 مايو1895)، المعجب بالحضارة العربية إلى حد الإدهاش، كان ينادي ابنه باسم اسماعيل الصغير تيمنا بما ورد في القرآن الكريم حول حياة النبي إسماعيل الذي يعد جد العرب جميعا.

 

لعل كتاب «الشعوب العربية في حدقة خوسيه ماري»، للكاتب الكوبي خوسيه كانتون نافارو الحائز على جائزة «عبدالله» 1991 في الشعر والشهادة الأدبية الممنوحة من قبل الاتحاد العربي في كوبا، أهم وثيقة تلقي الضوء على تعلق خوسيه مارتي بالعرب وحضارتهم وسعيه الدؤوب لمراكمة مزيد من المعارف حولهم، إذ تقول مقدمة الكتاب: «إن هذا الكتاب يقربنا من المكان الذي تحتله في تفكير وأدب خوسيه مارتي الحياة والثقافة والنضال الذي تخوضه هذه الشعوب»، أي الشعوب العربية.

 

المؤكد أن قائمة الأعمال الكاملة للمعلم، كما يحلو للكوبيون منادة مارتي،التي تضم مقالاته الصحافية وكتابات أخرى لا تحتوي على نحو 300 إشارة وإحالة إلى تلك الأمة والحضارة العربيتين الإسلاميتين فحسب،بل إن عددا من مؤلفات الشاعر الكوبي جاءت تحت عناوين عربية خاصة مثل مؤلفه «عبد الله» و«إسماعيل الصغير»، كما يمكن تأمل تلك الإحالات بسهولة في مؤلفات للبطل القومي الكوبي على غرار «الأشعار البسيطة والحرة» و«العصر الذهبي» وكتابات صحافية أخرى ظهرت في صحف ومطبوعات ذلك الزمان. في النسخة الأصلية من «الإسماعيلي الصغير» تظهر رسومات توضيحية وزخارف بريشة مارتي نفسه وهي تتماهى مع جوانب بارزة من الثقافتين الإسلامية والعربية، حيث تمثل الصورة أو الزخرفة الأولى أبو الهول في عاصمة الإمبراطورية الفرعونية منف بينما يظهر في صورة أخرى أشجار نخيل وامرأة في الصحراء وأبنية على الطراز العربي الأندلسي.

 

كما كتب مارتي في ديوانه «الأشعار البسيطة» عدة رباعيات شعرية في كل رباعية منها ثمة أسماء وعناصر عربية كثيرة.

 

وفي «العصر الذهبي» يعرض مارتي لوجهة نظره حول تلك الثقافة الشرقية كما يظهر في قصائد مثل «القصة التي ترويها بيوتهم» وفي «الأطلال الهندية»، «معرض باريس» وفي القصة الشعرية الخاصة بالأطفال «المغربية الدرة».

 

الياسمين، الكلمة القادمة بامتياز من اللغة العربية، لها مكانة خاصة في أعمال مارتي وتظهر الزهرة الشامية فيها كمتلازمة متواترة في أشعار المعلم الذي يعرف بهذه العبارة صفاء المرأة.

 

كما تظهر في «طفلة غواتيمالا» إشارات إلى مصر وفي «نشيد إلى حتشيت» يذهب مارتي إلى حد القول إن الحب في الثقافة العربية هو تقنين لغيظ كظيم وإن هذا ما يجعله عاطفة جياشة دوما.

 

وهناك الكثير من الوثائق التي كتبها مارتي ويستشهد فيها بمقولات حول الآلهة المصرية مثل إيزيس وأوريسيز وسيرابيز وكذلك حول أهمية الملك الفرعوني رمسيس الثاني، الذي حكم مصر بين 1301 و1325 قبل الميلاد.

 

ويذكر أنه خلال إقامته الأولى في اسبانيا، راح مارتي يتعقب الآثار التي خلفها العرب في ذلك البلد عموما وفي سرقسطة التي عاش فيها عاما ونصف العام على وجه الخصوص. وهناك وقع في عشق قصر «الفخارية» والبرج المشيد على الطراز العربي الأندلسي في سان بابلو. وفي المرة الثانية التي تم نفيه فيها إلى شبه الجزيرة الأيبيرية زار متحف «برادو» وقارن في ملاحظاته التي دونها في سجل المتحف وجه الفتاة «لاس ماخاس»، التي رسمها الرسام غويا،بوجه عربي،حيث تظهر في الأولى عارية وفي الثانية مرتدية ملابسها.

 

المقالات التي نشرها رسول كوبا في مجلة «لا أوبنيون ناسيونال»، التي كانت تصدر في كاركاس حينئذ تستعرض الأحداث التي شهدتها مصر عام 1881، الأمر الذي يؤكد من جديد اهتمام مارتي بكل ما له علاقة بتلك الأمة وتلك الحضارة.

 

يعد خوسيه مارتي رسول الاستقلال الكوبي والبطل القومي لبلاده، والغريب في الأمر هو أنه على الرغم من عدم وجود أي دليل على أنه زار أي دولة عربية إلا أنه كان معجبا بالحضارة الإسلامية وكان كثير الإشادة والإعجاب بالعرب، وظهر ذلك في أعماله التي بلغ مجموعها 28 مجلدا،فمن منا لا يعرف مقولة مارتي الشهيرة عن العرب حين قال: «إنهم كائنات رشيقة جذابة، تكوّن شعبًا هو الأكثر نبلا وأناقة على وجه البسيطة».

 

وما يزيد من جرعة الدهشة عند الإطلاع على نتاج مارتي الأدبي حتى في بواكيره الأولى يكمن في مدى اهتمامه اللافت بالعرب وبحضارتهم ، الأمر الذي يظهر جليا حتى قبل أن يكمل السادسة عشرة من عمره حين ألَّف مسرحيته الشعرية الأولى تحت عنوان «عبد الله»، ذلك البطل المصري القادم من منطقة النوبة، وجميع شخصياتها من العرب الذين يشاركون الشعب الكوبي نضاله ضد المستعمر الإسباني.

 

هذا الموقف المتضامن مع العرب وقضاياهم كان يقابله في فكر مارتي موقف مختلف تماما من الأوربيين الذين يقول فيهم: «ذلك هو منطقهم، الذي رفع من قيمة بلطجي أيرلندي أو مرتزق هندي ممن خدم الدول الأوروبية على حساب عربي من المتبصرين في الأمور، المترفعين عن الدنيا، والذين لا تثبط عزمهم هزيمة، ولا يعرفون التخاذل حيال الفارق العددي بينهم وبين أعدائهم، بل يدافعون عن أرضهم ورجاؤهم بالله».

 

كما أعجب مارتي بالحضارة الإسلامية ومضامينها الإنسانية، خاصة بعد أن تعمقت معرفته بها من خلال نفيه إلى اسبانيا حيث سنحت الفرصة الإطلاع على منجزاتهم الحضارية هناك لا سيما فيما يتعلق بجوانبها المعمارية ، التي يصفها بأنها تماثل شعبها رشاقة وأناقة، ويعبر عن شغفه بتربية الخيول العربية ومدى إحساس العربي بفرسه وحميمية العلاقة بينهما بمقولة شاعرية ساحرة تقول إن«ا لعربي البسيط حين يتحسس جواده بيديه كأنه يتحسس أعماق نفسه».

 

في حين يقف مشدوها أمام مشاعر القائد العربي عمرو بن العاص الذي أبَى أن يهدم خيمته بعد انتهاء إحدى المعارك، لأن حمامتين نسجتا عشهما في سقف الخيمة، بل أمر ببناء «الفسطاط» عاصمة مصر الإسلامية تيمنًا بالحمامتين والخير الذي وراءهما. وكم أشاد بمصر فاتنته الأولى، وكيف نهل اليونان من علومها وفنونه.

 

وتؤكد الكتب والأبحاث التي وضعت حول شخصية الثائر الكوبي الذي استشهد في حرب الاستقلال عن المستعمر الاسباني إن مارتي ينفذ بآرائه إلى أعماق خصوصيات الإنسان العربي البسيط فيحتفي به في أمرين، صلواته اليومية التي يتضرع فيها إلى الله أن يهديه الطريق المستقيم، وحكمته العالية ونظرته الثاقبة للأمور. لكن مارتي يحذر هذا العربي البسيط من خوض غمار الحياة معتمدًا فقط على رصيده من الابتهالات والدعوات والصلوات فيقول: «إن من يقتصر على الابتهال إلى الله من أجل مواجهة أي طارئ إنما يدين نفسه بعدم القدرة على الاستيعاب».

 

من يطالع على كتابات مارتي سيفاجئه ذلك بالكم الهائل من الشخصيات العربية التي تحدث عنها مارتي، مثل الأمير عبد القادر الجزائري، أحمد عرابي، محمد علي، محمد الصدوق، السلطان الحسن سلطان المغرب، والخديوي توفيق.

 

بصيرته السياسية دفعته إلى الاعتقاد بأن عامي 1881 و1882 كانا سيشهدان اندلاع ثورة مسلحة تحت قيادة رابطة إسلامية واعدة، حيث يقول: «من القسطنطينية انطلقت الموجة المحمدية، مجتاحة المضيق؛ لتنتشر في طرابلس، ولتؤجج الثورة في تونس».

 

وقد أخذ مؤشر الثورة أساسًا من الثورة العرابية في مصر التي يصفها قائلاً: «إنها عميقة الجذور، تلكم الثورة المندلعة في بلاد الروائع، موطن أبي الهول والأهرامات؛ حيث السماء وهاجة، والرمال متقدة»، لكنه في صيرورة تقييمه السياسي للأوضاع في مصر لم يتخلَّ عن أدائه الأدبي الفريد؛ فهو يصف حال مصر مع المستعمر الإنجليزي بقوله: «غُرس المهماز البريطاني في خاصرة الحصان المصري، ولم يعد بد من المواجهة بين القرآن ودفتر الحسابات، إن ابن الصحراء الكريم يعض على السياط ويكسر يد الأناني ابن القارة العجوز».

 

يظل السر في حياة مارتي هو: كيف تأثر بهذه المنطقة من العالم؟ وكيف توغل في أركان الحضارة الإسلامية دون زيارة هذه الأماكن؟ خاصة إذا أخذنا في الاعتبار صوره التي لا تخلو من دلالات أكيدة على أنه رأى هذه الأماكن بعينيه؛ فهو مثلا يشبه أيام الانتخابات في نيويورك بمصر ساعات الغروب، وحين يصف أماكن معينة فيها يفعل ذلك بدقة يحسده عليها الأدباء المصريون أنفسهم، وربما تكون إقامته في إسبانيا التي ظلت جزءا من الدولة الإسلامية لقرون عاملا مهمًّا..

 

وهناك أيضاً إطلاعه الثري على مؤلفات وأعمال فنية أتاحت له كمًّا معقولا من مشاهدة البلاد العربية بأيدي الرسامين والمصورين الذين انبهروا بالطبيعة العربية ووهبوا جزءا كبيرا من فنهم لتصوير العرب، أمثال: ماريا نوفورتوني، وباسيل فيريشاغين، وبينجامين كونستانت، وأوجين فرومانتان، الذي سُمِّي «ابن النيل» لاقتصار لوحاته كلها على رسم النهر العظيم. ولم يكتفِ مارتي بمطالعة أعمال هؤلاء الفنانين، إنما تعرض لها بالنقد والتحليل في الصحف والمجلات والدوريات التي ظل يراسلها لفترة طويلة.

 

مهما تباين الآراء حول طبيعة العلاقة التي جمعت بين مارتي والعالم العربي إلا أن إطلاع مارتي على الفنون العربية الأندلسية وإقامته بالأندلس يبقى أحد العوامل الرئيسية التي رفدت وعي الأديب الكوبي وساعدته في تشكيل تلك الصورة الوردية عن الإنسان العربي، لكن هذا الواقع لم يحل دون اعتقاد البعض بأن الرجل قد قام بالفعل بزيارة الوطن العربي واضطلع بصورة مباشرة على الحضارة السائدة هناك.

 

خوسيه مارتي في سطور:

 

ولد مارتي لأبوين اسبانيين في مدينة هافانا في 28 يناير 1853 وما أن أدرك سن البلوغ حتى بدأت عذاباته في ظل الاضطهاد الاستعماري الذي لا حقه ولم يتجاوز السادسة عشرة من عمره بسبب نظمه قصيدة وطنية فحكم عليه بالسجن ست سنوات مع الأشغال الشاقة وبعد ذلك فرض عليه المنفى.

 

حيث أمضى كل حياته تقريباً، درس في جامعة مدريد المركزية 1871و1874 ثم انتقل إلى سرقسطة ونال إجازة في القانون المدني والكنسي وبعدها نال لقب دكتوراه في الفلسفة والآداب عام 1874. من مؤلفاته «السجن السياسي في كوبا»، «الجمهورية الاسبانية أمام الثورة الكوبية»،مسرحية «الغشاشة» ومسرحية «الحب بالحب يكافأ» فضلا عن «عبد الله» و«إسماعيل الصغير» أيضاً.

 

وصية خوسيه مارتي

 

استشهد مارتي في مكان يدعى «دوس ريوس» في أول معركة مع القوات الاسبانية وقعت يوم 19 مايو 1899 وذلك بعد أيام من وصول تلك القوات إلى الشواطئ الكوبية في مقاطعة سانتياغو دي كوبا حيث قضى كما أراد وتمنى وقال في مقطع شعري:

 

لا تتركوني في ظلمة الديجور

 

لأموت كما الخونة المارقين

 

إنسان صالح أنا، ولأني هكذا

 

متطلعا إلى الشمس سوف أموت

 

 

عودة الى أعلى أغلق الصفحة إبدي رأيك عودة أرسل الى صديق إطبع الصفحة
 

لجنة التضامن اللبنانية لتحرير المعتقلين الكوبيين الخمسة
 
lebanese4cuban5@gmail.com
webmaster@lebanese4cuban5.com