لا يفوز الأشرار إلاّ حيث يكون الأخيار لا مبالين - خوسيه مارتي

 

لجنة التضامن اللبنانية
 لتحــريــر المعتقلــين
 الـكوبيين الخمـسة

Español

English

Français

البداية

الخمسة

 

 

 

  

   

 

عبدالله : كتاب الى الوطن - خوسيه مارتي

 


عبدالله
كتاب إلى الوطن

قامت بتعريبها الآنسة : رنا علي الموسوي
ranamouss@hotmail.com

الشخصيات

إسبيرتا، والدة عبدالله

إلميرا، شقيقة عبدالله

عبدالله

شيخ

مستشارون، جنود

(تجري الأحداث في النوبة)


المشهد الأول

(عبدالله والشيخ والمستشارون)

الشيخ:
يا أيها القائد النبيل، ها قد أتى إلى بلادنا
غاز متعطش للدماء، يهددنا بتحويل أسوارنا غبارا
إذا قاومنا جبروته وقوته
يشير إلى جيشه، الذي يركب أفراس نبيلة عربية أصيلة
فيما الجموع تمد يد العون إلى المعتدي
وعدد الرماح وفير، حتى يخال العدو
أن رؤيتها تكفي ليدب الذعر في قلوب الشجعان وتخور قواهم
وما أكثر خيمه، أيها القائد النبيل
وقد بلغت السهل بلمح البصر
هذا المعتدي اللئيم يا عبدالله النبيل
له من القسوة والتعجرف
أن يبعث برسول يطالب باستسلام النار والهواء
والأرض والمياه !

عبدالله:
إذهب قل لذاك الظالم أنه في النوبة
بطل لكل عشرين سهم من سهامه
فليجرأ أن يكون سيد هوائنا
وأن يحرم من النار ديارنا
قل له أنه لن يشتري أرضنا إلا بدمه
وأن ماءنا ستختلط بدموعه

الشيخ:
أيها المحارب العظيم، خفف من حماسك
فأولائك الغرباء المتعجرفين لا يعرفون الحياء
والاعتداء البربري هذا
ليس مجرد غرور ووعيد
ها قد احتجزوا النوبيين في المعسكر !
وها قد وضعوا حراساً أمام أبوابنا !

عبدالله:
ما قولك أيها الشيخ؟

الشيخ:
قولي لك يا قائد الجيش النوبي
لتلمع الرماح
وليرفرف في الأجواء علم الوطن المقدس
ولتقتلع النوبة لسان المعتدي الوقح
وتروي السهل بدمه
فلتقاوم النوبة كما قاومت إسبارتا اليونانية
أتيت أناشدك الانتقام من التهديدات الجبانة
ومن البربري المعتدي الآتي لسلب الحياة من أرواحنا
أتيت أتوسل النوبي القوي أن يهمَّ مع الشعب إلى المعركة

عبدالله:
موافق أيها الشيخ الجليل
ليتبعني الشجعان والقادة النبلاء
وإذا ما تطاول أحد المعتدين على الأحرار
سيجدوننا في قلب المعركة، في النوبة،
فنحن أبناء الوطن، ولدنا من أجل النوبة ونعيش من أجلها
وإن لفظنا آخر أنفاسنا
فمن أجل النوبة
لأن قوانا كلها وشجاعتنا لها
قل للشعب أنه متى يقرر الذهاب إلى المعسكر
سأكون في الطليعة
قل للظالم أن يستعد وأن يهيئ جيشه
قل له أن رماحنا ستكون أكثر لمعاناً وبريقاً من رماحه

الشيخ:
يا لشجاعة أرواحنا وصلابتها!
هنيئاً لك ألف مرة،
أيها الشاب الشجاع
ليهتف الجميع
يحيا عبدالله !

(يخرج الشيخ والمستشارون)


المشهد الثاني

(عبدالله)

عبدالله:
أخيراً أصبحت ذراعي القوية قادرة
حان لسيفي الفتاك أن يلوح مهددا
ولفرسي النبيلة أن تعدو طليقة
وتلج المعركة المحتدمة !
أخيراً سيشرق المجد على محياي !
وسأصبح محرر أمتي المحبطة
ومخلص بلادي من براثن الطاغية
ومن الظالم الدنيء الذي يهدد النوبة
حتى يطلب العفو والغفران مني، راكعاً عند قدميَّ !
والجموع البائسة التي مدت له يد العون
ستنهار من شدة الرعب أمام جهادنا
وسيتمرَّغ في الوحل جبين المتكبِّرين وأرواحهم
ويغدو السهل حيث انتشر معسكر الغازي
شاهداً صامتاً على دناءته
سيذل الطاغية أمام الأحرار
وينتقم المظلوم لوصمة العار
أيها الغازي البائس، لقد حانت ساعة موتك
فلا جدوى من تهديداتك ومن شجاعة جيشك
أمام جرأتنا
لطالما تخلص الرقيق من نير عبوديته
وطعن المعتق قلب سيده بعدة قيده.
ساعة الاندحار الأخيرة في انتظارك
ورمح النوبيين الحاد سيغوص قريباً في صدرك
ها قد بدأت أراهم، كالنمور المتعالية
حين تنقض على فريستها
ها هم باتجاه صفوفنا يسرعون
وثائرين يقاتلون
وإذا بالدم يتدفق غزيراً في السهل
ها هم يعودون بنهم الطاغي وجشعه
لتغوص رماحنا في جوانبهم
وتنحني أعناقهم أمام حد السيوف
ها قد وهنوا وانهزموا فينتفضون،
كفهود الصحراء الغاضبة التي تفتك بفريستها
ثم ينهكون ويزمجرون ويجهدون
وتتدفق منهم الدماء ويقاتلون
وتصدر عنهم أنات ألم عظيمة
أولئك الأعداء الهائجون يندفعون
كالبرابرة على جيشنا، يقاتلون، يهرعون ويتقهقرون
ثم يعودون ليسقطوا جثة هامدة
ويئنون ثم يتهيئون ثانية للمعركة فيهلكون!
ها قد دُمر الجيش الجبان
ها هو يُدبر عبر السهل
آه كم تزيدني نشوة الانتصار قوة وشجاعة وحيوية !
الدم يغلي في عروقي، واندفاعي لا يقهر
آه ما أشد توقي إلى المعركة !

 


المشهد الثالث

(المحاربون وعبدالله)

المحارب:
السلام عليك يا عبد الله

عبد الله:
وعليك السلام يا أنبل المحاربين

المحارب:
لقد دقت ساعة المعركة
ها هي الخيول تعدو منطلقة
في ساحة الوغى،
والقلوب تخفق شجاعةً
وروح الشعب تنتعش أملاً
إن انتصرت أيها القائد النبيل
سيتوجك الشعب النوبي
بأكاليل الغار
وإن قضيتَ في خضم المعركة
ستتوج شهيداً للوطن !
فلتظهر البشرى على المحيى
ولتلمع الأسلحة الفتاكة
ولترسم على الوجوه رغبة القتال
والعظمة والشجاعة

عبد الله:
من تجري في عروقه الشجاعة
لا يبالي بالتيجان أو الغار
لقد هدد الطاغية النوبة الحرة
وأراد تسخيرها لسطوته
فلنهب إلى المعركة
لتثبت دماؤنا للغازي
أن الصدور التي تسيل منها
هي أسوار تحمي النوبة
وأن أذرعنا هي حصونها
إلى الحرب أيها الشجعان !
سيتخبط الطاغية في دمه
وستتصدى صدورنا لحملته الوقحة
كالسد المنيع
فلتُقظ دماؤه جرأتنا
إلى الحرب ! إلى الحرب !
ليسمع الغازي الدنيء الذي يهاجمنا
قعقعة سيوفنا الفتاكة الجريئة
لحظة الهزيمة
لا يستخفن أبداً بالنوبة العظيمة!
هيا إلى الحرب ! إلى المعركة
ولتكن شجاعة أرواحنا
الترس الذي يحميك يا وطني !

(يهمون بالخروج)


المشهد الرابع

(إسبيرتا وعبدالله)

إسبيرتا:
إلى أين ؟ مهلك

عبد الله:
أماه ! لا يسعني الانتظار

إسبيرتا:
تمهل يا عبد الله

عبد الله:
أتهمل يا أماه ؟ ألا ترين الجيش المتأهب بانتظاري؟
أليست ذراعي التي ستدافع عن حرية النوبة في وجه العدوان؟
ألا ترين كيف يتهيأ المحاربون ؟
وكيف تلمع رماحنا ؟
لا يسعني التمهل، يا أماه !
أنا ذاهب إلى الساحة دفاعاً عن الوطن

إسبيرتا:
أنا أمك !

عبد الله:
وأنا نوبي ! الشعب بأكمله ينتظرني للدفاع عن حريته!
الغرباء يحتلون أراضينا
ويهددوننا بالعبودية البغيضة
ويصوبون رماحهم تجاهنا بوقاحة
ونحن لا يحكمنا إلا الله والشرف
نموت في سبيل الوطن قبل أن نراه راكعاً
عند أقدام الوحشي الظالم !

إسبيرتا:
وإن كان الشرف يدفعك إلى الحرب
أمك تأمرك الآن وتردعك

عبد الله:
لا يمكن إلا للصاعقة أن تردع قوة عبد الله النبيل وشجاعته!
هلموا إلى الحرب، أيها المحاربون النبلاء
هلموا برفقة قائدكم

(يخرج المحاربون)
 


المشهد الخامس

(عبدالله وإسبيرتا)

عبدالله:
أماه ! أغفر ابتعادي عنك
أغفر ذهابي إلى القتال
آه ! هذه دموع تعبر عن عظيم قلقي
وتفرج عن إعصار يعصف بصدري

(تبكي إسبيرتا)

أماه ! لا تبكي
تكفيني ألما دموعك السخية
لكن عيوني الحزينة
وقلبي الشجاع
لن يأبها لأنين المحتضر
ولا قعقعة الأسلحة الفتاكة
ولا أبالي بالعودة إلى الديار في كفن
والسقوط ضحية الدماء والغضب
لو كان عبد الله على يقين
أن دماءه ستخلص النوبة
من براثن الغرباء البغيضة،
لأدميت ثوبك ببقع من هذه الدماء
أنا لا أخشى إلا عليك،
ومع أن جنود بلادي لا يسمعون بكائي
فأنت ترين انهمار الدموع على وجهي
وتدفقها على وجنتي !

إسبيرتا:
لم كل هذا الحب لحفنة التراب؟
أجبني !
من حماكَ في طفولتك ؟
من ضمك إلى صدره ؟
من أمدَّك جرأةً وقوةً ؟
أهي أمك أم النوبة؟

عبدالله:
أماه، إن حب الوطن
ليس مجرد حب تافه لحفنة من تراب
أو للعشب والنبات
بل هو الحقد الشديد على من يمسه
والنقمة الأبدية على من يعتدي عليه
إنه حب يُنهض فينا عالم ذكريات
وينعش فينا حب الحياة
حين تعتصر الروح الجريحة دما
تجد في حب الوطن صور الحب والحنين الهادئ
الذي يواسينا

إسبيرتا:
وهل هذا حب أعظم من محبة أمك ؟

عبدالله:
وهل في الوجود أسمى من الوطن؟

إسبيرتا:
أهذا ما يدفعك للتخلي عني؟
هل تندفع إلى الحرب على جناح السرعة
وتنسى من وهبتك الحياة ؟
أجبني، أهذا ما يمليه عليك وطنك؟
ألا تخاف الموت الذي ينتظر؟

عبدالله:
إن الشغوف بالدفاع عن وطنه
لا يقيم وزناً للدماء أو العناء!
ولا يأبه بالطاغية المتعالي
ولا يكترث للتهديدات
فمن كانت الجنة مرامه
يدخلها بكل بسالة!

إسبيرتا:
ألن تبقى معي؟ هل تتخلى عني؟

عبدالله:
أماه ! أنا ذاهب إلى المعركة

إسبيرتا:
هل تذهب إذاً؟ هل ترحل ؟ يا قرة عيني

(تركع)

أمك البائسة تركع أمامك
أترى كيف تنهمر دموعي
وتغسل قدميك من شدة الألم والمرارة
مهلك بني !

عبدالله:
انهضي أماه !

إسبيرتا:
باسم حبي لك أستحلفك لا ترحل !

عبدالله:
تطلبين ألا أرحل فيما النوبة كلها بانتظاري ؟
والشعب المتحمس لغسل وصمة العار
ينتظرني عند الأبواب بقلق بالغ
وحدها الصاعقة تردع شجاعة عبدالله النبيل !

إسبيرتا:
وأمك التعسة التي تتوسلك
وتغسل قدميك بدموعها،
أليست صاعقة حب تردعك ؟
أليست صاعقة ألمٍ تأسرك ؟

عبدالله:
ما هذا العذاب ؟ ما هذا القلق العظيم !
أمي تبكي... والنوبة تناديني...
أمي وأمتي تتنازعاني ...
لم يعد للشك مكان في قلبي، الوداع
أنا ذاهب إلى وطني

(يخرج)


المشهد السادس

(إسبيرتا)

إسبيرتا:
لقد رحل! قد يعيدونه إليَّ
مضرجاً بالدماء ومشوهَ الجسد
سيناديني بأنين الجريح
وتمتزج دموعه الحزينة بعبراتي
ويضم وجهه الشاحب والهامد إلى وجنتي!
لا أتمالك نفسي بكاء ونحيب
وعبراتي تكر رعباً وخوفاً وتسوّد رؤيتي !
لكن لم البكاء؟
ألم تكن النوبة معطاءة ساعة ولادتنا ؟
لم تنزع الأمهات من أبنائهن الشجاعة؟
أيبكين فيما يعتدي الطاغية على النوبة؟
أيتجاهلن العظمة والأبهة؟
أنتن الطاغيات، هل تردن إغراق حب الوطن في حبّكن ؟
لا! لا يذرفن الدمع لذهاب أبنائهن إلى الموت
لأنهن لسن نوبيات، بل لأنهن أمهات!
أمهات يسمعن كيف تختلط قعقعة السيوف
بأنين ولد يُطعن في الأحشاء !
يعرفن أن الأبناء في المعارك
لا يتذكرون ديارهم أبداً
بل يرتمون بجرأة في أحضان منية
تخطفهم من أحضان أم حزينة


المشهد السابع

(إسبيرتا وألميرا)

إلميرا:
أماه ! أتبكين ؟

إسبيرتا:
لم تستغربين ؟
ابني عبدالله ذهب إلى المعركة
فأي بطلة، أي أم لا تذرف الدموع
لرحيل ولدها الحبيب إلى الحرب ؟

إلميرا:
الأم الشجاعة !
الأم المحبة للوطن !
آه ! ما انفكت الدموع تنساب على وجنتيك
والألم يبدو في عينيك
وبكاء الجبن يبلل صدرك !
الأم النوبية لا تبكي
حين يذهب ابنها من أجل الوطن !
أحب عبدالله حباً لا حدود له
وحناني له من عطف الأخوات
لكن يداي هي من سلّمت السيف
ليديه القويتين
السيف، حين هم بالرحيل
وودعته وقبلت على جبينه
وأنت تبكين فيما عبدالله يجاهد
ويكلّل بالمجد والعظمة
والغار والشهرة
أماه ! ألا تسمعين صليل السيوف ؟
أولا تسمعين الصراخ ؟
وروعة صوت البوق؟
وجلبة المعركة ؟
كم يحسدنا أولئك الفرسان
على زيّنا الحربي
وخيولنا الأصيلة
ورماحنا الفتاكة

إسبيرتا:
وأنتِ، هل تتركين دارك وأمك،
على غرار عبدالله
وتذهبين لمواجهة الموت في الساحات؟

إلميرا:
أجل يا أماه !
لتحزن الحجارة التي تطؤها أقدامنا
ولتأسف على مصاب وطننا الجريح
أما زلت تبكين؟
ألا تسمعين صوت البوق الذي ينعش أرواحنا ؟
ألا تسمعين ؟
أماه !
ألا يصلك عطر المعركة الأخّاذ ؟

(يطرق الباب)

لكن...ما هذا الصوت الذي يباغتنا ؟
أماه، من تراه يطرق بابنا ؟

إسبيرتا: (تهرع إلى الباب)
عبدالله !

إلميرا: (تُمسك بها)
لا تصرخي أماه !
قد يكون أحد الجرحى يطرق بابنا من شدة اليأس
دعينا نساعده أماه
من الطارق ؟

صوت:
افتحوا الباب !


المشهد الثامن

يدخل محاربون حاملين عبدالله جريحاً

إسبيرتا وألميرا (بهلع):
عبدالله !

(يحمل المحاربون عبدالله إلى وسط المسرح)

عبدالله:
ها إنا عدت محتضراً لأسقط على قدميكما
أنا الآن على أهبة الرحيل إلى مكان
لن أستطيع فيه حمل السيف ولا رمي الرمح
أتيت ألفظ أنفاسي الأخيرة
بين ذراعيك أماه !
أموت، أموت والنوبة تكافح
ودماء إخوتي تتدفق
والوطن ينتظر الحرية من جهادنا !
أماه لا تبكي
شجعي المحاربين كالأمهات الشجاعات واهتفي:

"كافحوا ! كافحوا !"

"أيها النوبيون، استبشروا خيراً"

إسبيرتا:
تريدني ألا أبكي ؟
وهل سيعيدك الوطن إلي يوماً ؟

عبدالله:
أماه، إن حياة النبلاء
كفاح وموت في سبيل الوطن
وإن اقتضى الأمر الموت بشجاعة لإنقاذه
أشعر أن ساعتي حلّت،
إني احتضر
لا تقلقوا سكوني الحزين
صه ! دعوني أسمع
آه ! يبدو لي أن العدو
مني بخسارة فادحة
إنه ينهزم عبر السهول
إني أرى جنودنا ينقضون
على المعتادين الجبناء
النوبة ربحت المعركة !
أموت سعيداً ولا أخشى المنية
لأني استطعت إنقاذ بلدي
كم جميل أن اموت
وأنا أكافح دفاعاً عن وطني

(يهوى بين أذرع المحاربين)

(تم نشر هذه المسرحية في العدد اليتيم للجريدة الصغيرة التي أصدرها مارتي (الوطن الحر) في تاريخ 23 تشرين الأول 1869).


 

 

عودة الى أعلى أغلق الصفحة إبدي رأيك عودة أرسل الى صديق إطبع الصفحة
 

لجنة التضامن اللبنانية لتحرير المعتقلين الكوبيين الخمسة
 
lebanese4cuban5@gmail.com
webmaster@lebanese4cuban5.com